ابن عطية الأندلسي

255

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام ، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه ، ونصب الشَّهْرَ على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب شَهِدَ ، وقوله تعالى : أَوْ عَلى سَفَرٍ بمنزلة أو مسافرا فلذلك عطف على اسم ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر « اليسر » و « العسر » بضم السين ، والجمهور : بسكونه ، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم : اليسر الفطر في السفر و الْعُسْرَ الصوم في السفر ، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين ، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم « دين اللّه يسر » . وقوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها ، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو في بعض ما روي عنه « ولتكمّلوا » بتشديد الميم ، وقد روي عنهما التخفيف كالجماعة ، وهذه اللام متعلقة إما ب يُرِيدُ فهي اللام الداخلة على المفعول ، كالذي في قولك ضربت لزيد ، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن ، كأن الكلام : ويريد لأن تكملوا ، هذا قول البصريين ، ونحوه قول قيس كثير بن صخر : [ الطويل ] أريد لأنسى ذكرها وإما بفعل مضمر بعد ، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة ، وهذا قول بعض الكوفيين ، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام . وقوله : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حض على التكبير في آخر رمضان ، واختلف الناس في حده ، فقال ابن عباس : « يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة ، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره » ، وقال قوم : يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة ، وقال سفيان : « هو التكبير يوم الفطر » ، وقال مالك : « هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام » ، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء : « اللّه أكبر ، اللّه أكبر اللّه أكبر » ، ثلاثا ، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ويسبح أثناء التكبير ، ومنهم من يقول : « اللّه أكبر كبيرا ، والحمد للّه كثيرا ، وسبحان اللّه بكرة وأصيلا » . وقد قيل غير هذا ، والجميع حسن واسع مع البدأة بالتكبير . و هَداكُمْ ، وقيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم ، وتعميم الهدى جيد ، و لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجّ في حق البشر ، أي على نعمة اللّه في الهدى . وقوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي الآية ، قال الحسن بن أبي الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت ، وقال عطاء : لما نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] قال قوم في أي ساعة ندعو ؟ فنزلت وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي ، وقال مجاهد : بل قالوا إلى أين ندعو فنزلت هذه الآية ، وقال قتادة بل قالوا : كيف ندعو ؟ فنزلت وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي ، روي أن المشركين قالوا لما نزل فَإِنِّي قَرِيبٌ : كيف يكون قريبا وبيننا وبينه على قولك سبع سماوات في غلظ سمك كل واحدة خمسمائة عام وفيما بين كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ أي فإني قريب بالإجابة والقدرة ، وقال قوم : المعنى أجيب إن شئت ، وقال قوم :